مجتمعملفات ساخنة

عبد الكريم سعد.. يُؤنِسُ الموتى!

كيف يفعلُها ابن عدلون؟

وعيتُ وأنا طفلةٌ صغيرةٌ على جدّي لأبي، “الحاج يوسف يعقوب فاضل”، وهو يتلو التُونيسة على قبور الأموات في الضيعة. ولكن ما هي التُونيسة؟ هي استئناس الميت ولمدة أسبوع (ليلًا/نهارًا) بتلاواتٍ من القرآن الكريم.

كان جدّي آخر قرّاء التُونيسة في بلدته البابليّة الواقعة في قضاء الزهراني، يتقاسم الوقت مع صديق هذه المهنة، وهو السيد علي هاشم. توفيّ جدّي أبو محمد، وكان آخر المُؤنسين قبيل الاجتياح الإسرائيلي للبنان الجنوبي العام 1982. تبخّرت هذه العادة، وربما كانت التُونيسة من حسنات الأجواء العامليّة التي كانت تسيطر عليها الأجواء اليسارية -ويا لغرابة الرابط- وقتذاك!

كامل رضا: البدايات والمبادرات الأهليّة

كان جدّي يقرأ لقاء بدلٍ ماليّ بسيطٍ مع بعض الطعام والماء في خيمةٍ صغيرةٍ أعدّها هو وزميله السيد علي هاشم. هذه الخيمة كانت عبارة عن شادر قماشٍ بلونه الأخضر، كان قد جلبه أهل الضيعة من بقايا عتادٍ متروكٍ في خراج الضيعة بُعيد رحيل الجنود المغاربة المُشاركين في الجيش الفرنسي إثر سقوط الانتداب، إضافة إلى بعض الخناجر، وذلك بحسب الباحث كامل رضا، الذي أكد أن ثمة عددًا آخر من القرّاء من آل رضا وآل غبريس كانوا يتبادلون هذه المهمة. وكانت التُونيسة تتوزع ليلًا ونهارًا بين القرّاء، كون المتعلمين آنذاك كانوا محدودي العدد نتيجة سياسات الرئيس إميل إده وقراره بعدم استئجار غرفٍ جديدة للتعليم في الجنوب بحجة عدم توّفر المال، وهو الذي حكم بين عاميّ 1936 و1941.

وبعد تقليص الميزانية المُخصصة لبناء صروحٍ تعليميّة جديدة، بدأ انتشار ما يُسمى بالتعليم الخاص والإرساليات الأجنبيّة والمبادرات المحليّة في مختلف المناطق. أما جنوبًا، فقد عوّض الأهالي غياب المدرسة الرسميّة بالاعتماد على الكتاتيب والمبادرات الأهليّة، قبل أن يشهد التعليم الرسمي تطورًا ما بين عاميّ 1946 و1971، وذلك بحسب الباحث كامل رضا.

في مراحل لاحقة، ظهرت التُونيسة الحديثة من خلال وضع مُسجّلة وشريط كاسيت وبطارية تُعيد وتُكرر التلاوة، وبصوتٍ عالٍ ومسموع من لدن جميع الأموات-الجيران!

اليوم، وبعد عقود، تشهد مقابر المسلمين الشيعة في قرى الجنوب عودة “التُونيسة الحيّة”.

 

عبد الكريم سعد: أول من قام بذلك الإمام علي

 

كان عبد الكريم سعد (63 سنة) جالسًا على قبر ميتٍ توفي منذ بضعة أيام، يتلو الآيات بصوتٍ خفيض جرّاء إنهاك الشمس لجسده المعرّض لحرارةٍ قاسية منتصف نهار آب اللّاهب.

يقول عبد الكريم سعد، ابن بلدة عدلون، إن “التلاوة أو الختميّة تكلّف ذوي المتوَفى 150$. وهو يتشارك مع زميله تلك الهبة” كما كان حال جدّي وزميله.

وبالعودة إلى مرحلة ما بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران العام 1979، وتمدد آثارها إلى لبنان، ظهرت عادة الختميات المشتركة بين أهل الشهيد وأصحابه.. فلم تعد العائلة المنكوبة بشهيدها تكلّف المؤنس بهذه المهمة، بل صار أهل الشهيد ورفاقه هم من يتولون المهمة بكل حب وتنافس، مما عجّل في اختفاء عادة التونيسة الجميلة.

يكمل سعد حديثه فيقول: “بدأتُ تقريبًا في العام 2007، وكانت البداية بمحض الصدفة، لم أكن أتابع أو أواكب الذين يقرؤون في الجبّانة، إذ كانت معظم القرى تقريبًا تقوم بهذا الأمر”.

ويتابع: “سابقًا، كان والدي يقرأ القرآن، وكان يجتمع معه اثنان أو ثلاثة أشخاص، ينصبون شادرًا في الجبّانة، ويقرؤون القرآن لمدة خمسة أيام. وهذه الممارسة ليست تقليدًا عابرًا، بل هي عادة قديمة متوارثة”.

ويعتقد سعد أن “قراءة القرآن على الميت أو عند قبره ليست مجرد تقليد متوارث، إنما هي ممارسة لها جذور قديمة في التراث الإسلامي، وقد عُرفت لدى المسلمين في عصور مبكرة”.

ويلفت إلى أن “إقامة الشادر والقراءة لعدة أيام هي عبارة عن تنظيم اجتماعي متّبع لتجميع الناس وإهداء أكبر قدر من الثواب لروح المتوَفى، ولتقديم العزاء لأهله، وهي تستمد أصلها من استحباب قراءة القرآن والدعاء للميت”، و”أول من قام بذلك هو الإمام علي حين دفن السيدة الزهراء، وكذلك فعل مالك الأشتر عند قبر أبي ذر في صحراء الربذة”.

وهي نوع من المستحبات كالبقاء على الوضوء، وليست واجبًا، فأهل الميت يريدون القراءة ولا يتمكنون من ذلك، فيُكلّفون القارئ بها، والبدل المالي ليس إلا عبارة عن تفريغ الوقت لهذه المهمة.

و”القراءة على قبر الميت كالصلاة النيابية والصوم النيابي والحج النيابي، وينويها الأهل عن روح الميت، وهي عادة، إذا رجعت بقوة كما كانت سابقًا، يمكن أن يتخذها المرء مهنة له. ففي بعض القرى كانوا ولا يزالون يقرأون بشكل واسع كبلدات عدلون والزرارية وأنصارية واللوبيّة والخرايب، وهذه العادة كانت منتشرة بشكل واسع في قرى قضاء صور”.

ويلفت سعد إلى أنها كـ”عاشوراء النبطية”، التي انطلقت منذ قرن تقريبًا، بمعنى أنها عادة قديمة جدًا، لكنها اختفت في السبعينيات والثمانينيات، واليوم عادت من جديد وعلى نطاق واسع.

ويتذكّر المُؤنس سعد فيقول: “منذ أن كان عمري 3 سنوات والجنوبيون يقرأون التونيسة، وهي غير معروفة المصدر، لكن كيف انتقلت إلينا، لا أحد يعرف”.

اليوم، وفي ظلّ انتشار عادة وضع “الكاسيت” الشغّال على الطاقة الشمسيّة بصوت قارئ معروف، يمكن القول إنه تعويض مضاد. لكن بحضور القارئ المباشر يتوفر الشعور بالثواب بشكل أكبر، كون الإنسان يقرأ لأخيه الإنسان، من خلال وجود روح إلى جانب الفقيد.

ويشرح عبد الكريم سعد الكيفية التي تتم فيها القراءة: “عادة نقرأ الختميّة في يوم وليلة للميت، وذلك بحسب طلب الأهل، لكن هناك من يطلب الختمية دون تحديد الوقت، ببدل هبة مالية بقيمة 150$ للختمية يتقاسمها القارئ مع زميله”.

هذه العادة الجميلة تُوحي بأن المتوفى لم يغب عن بال أهله، ولم يتغاضّوا عن غيابه عنهم، وقد يقرأون له في البيت عشرات الختميات إهداءً لروحه، لكن تبقى القراءة على قبره ذات معنى أكبر وذات دلالة عاطفية أبرز، تؤكد أن المجالسة والحنين إلى الراحل لا يزالان مستمرين، وغير منقطعين، بين الميت والعائش، بين الحيّ والراحل..

العادات الاجتماعية تجاه أمواتنا تبقى رهن العاطفة والصلة والحب الذي نكنّه لمن غاب عنا؛ فترى بعض الأهل يزيّنون القبور بالورود والزهور والبلاط الفاخر والسياج الحديديّ والمقاعد الفاخرة، لكن لحبهم له وجه آخر وجمال أكبر من خلال مقدار حاجة الميت لهذه الهدايا، ومنها الصدقة وقراءة القرآن وتبرئة ذمته من حقوق الناس عليه؛ فالهدية باتت من نوع جديد، وببريد أسرع، كون المحتاج لها فقيرًا جدًا إلى رحمة الله، لا إلى بهارج الحياة الفانيّة.

سلوى فاضل

صحافية لبنانية، تحمل شهادة الدراسات العليا في الفلسفة من الجامعة اللبنانية، تهتم بقضايا حقوق النساء والفتيات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى